القرطبي

50

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من فعل ما ذكره الله عزو جل . وقيل ( 1 ) : أن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر ، فأنزل الله : " إن الذين آمنوا والذين هاجروا " إلى آخر الآية . والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني . والهجر ضد الوصل . وقد هجره هجرا وهجرانا ، والاسم الهجرة . والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية . والتهاجر التقاطع . ومن قال : المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم ، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب ، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله . " وجاهد " مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد ، مجاهدة وجهادا . والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود . والجهاد ( بالفتح ) : الأرض الصلبة . " ويرجون " معناه يطمعون ويستقربون . وإنما قال " يرجون " وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ ، لامرين : أحدهما - لا يدرى بما يختم له . والثاني - لئلا يتكل على عمله ، والرجاء ينعم ، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد ، كما أن الخوف معه رجاء . والرجاء من الامل ممدود ، يقال : رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة ، يقال : ما أتيتك إلا رجاوة الخير . وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته ، قال بشر يخاطب بنته : فرجي الخير وانتظري إيابي * إذا ما القارظ العنزي آبا ومالي في فلان رجية ، أي ما أرجو . وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف ، قال الله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا ( 2 ) " أي لا تخافون عظمة الله ، قال أبو ذؤيب : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها ( 3 ) في بيت نوب عوامل أي لم يخف ولم يبال . والرجا - مقصور - : ناحية البئر وحافتاها ، وكل ناحية رجا . والعوام من الناس يخطئون في قولهم : يا عظيم الرجا ، فيقصرون ولا يمدون .

--> ( 1 ) يريد أن المسلمين وأهل السرية لما فرج الله عنهم ما كانوا فيه من أمر قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام بإنزال قوله تعالى : " يسألونك عن الشهر الحرام " الآية ، ظنوا أنه إنما نفى عنهم الاثم فقط ولا أجر لهم فطمعوا فيه فقالوا : يا رسول الله ، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ وفى رواية : أن لم يكونوا أصابوا وزرا فلا أجر لهم ؟ فأنزل الله تعالى قوله : " إن الذين أمنوا والذين هاجروا " الآية ، فوضعهم الله في ذلك على أعظم رجاء . ( 2 ) آية 13 سورة نوح . ( 3 ) خالفها ( بالخاء المعجمة ) : خلفها إلى عسلها وهي غائبة فقد سرحت ترعى . يروى : " حالفها - عواسل " بالحاء المهملة ، أي لازمها . والنوب : النحل ، وهو جمع نائب ، لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها .